السيد محمد صادق الروحاني
9
زبدة الأصول (ط الخامسة)
والتحقيق يقتضي أن يقال : إنّ الضابط في الحجّية ، وحمل الكلام على إرادة معنى خاص ، إنّما هو الظهور العرفي ، وليس الضابط كون المستعل فيه حقيقيّاً كي يحتاج إلى إثبات كون المستعمل فيه كذلك ، بدعوى أنّ الأصل في الاستعمال كونه حقيقةً ، كما ذهب إليه السيّد المرتضى قدس سره « 1 » . وبالجملة : بناء العقلاء إنّما هو على أنّ المتكلّم أراد ما يكون كلامه ظاهراً فيه ، وعليه فإذا كان الكلام محفوفاً بما يصلح للقرينيّة ، كان ذلك الكلام فاقد الظهور عندهم ، فيحكمون عليه بالإجمال . ومن تلك الموارد ما نحن فيه ، إذ ورود الأمر عقيب الحظر أو توهّمه ، ممّا يحتمل عند العقلاء كونه قرينةً على عدم إرادة المتكلّم الوجوب من الصيغة ، بناءً على كونها ظاهرة فيه بنفسها وضعاً أو انصرافاً ، على ما تقدّم من المحقّق الخراساني « 2 » ، وعلى كون الأمر ممّا يجوز ترك متعلّقه ، بناءً على كونه بحكم العقل ، كما هو المختار . وبعبارة أخرى : إنّ وقوع الأمر عقيب الحظر يصلح أن يكون قرينةً على الترخيص في الترك ، ومعه لا يحكم العقل بلزوم الإتيان بمتعلّقه . وإنْ شئت قلت : إنّ العقل إنّما يحكم بلزوم الإتيان إذا لم يكن الأمر وارداً في هذا المورد ، فلا يُحمل الأمر الواقع عقيب الحظر أو توهّمه على الوجوب على المسلكين .
--> ( 1 ) الذريعة : ج 1 ص 203 ( فصلٌ في ذكر الدلالة على أنّه ليس للعموم المستغرق لفظٌ يخصّه ) قال : إنّ اللّفظة قد تكون لها حقيقة في اللّغة ولا مجاز لها ، ولا يمكن أن يكون مجازٌ لا حقيقة له ، فإذا ثبت ذلك ، وجب أن يكون الحقيقة هي الّتي يقتضيها ظاهر الاستعمال ، وإنّما ينتقل المستعمل إلى أنّه مجاز بالدّلالة ، وأمّا المجاز فلا يلزم على ما ذكرناه . ( 2 ) راجع المبحث السابع من الكفاية : ص 66 - 77 .